ابن كثير

332

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الآية ، كما قال هنا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي من الاعتقادات والأعمال . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 26 إلى 27 ] أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) يقول تعالى : أو لم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك اللّه قبلهم من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل ، ومخالفتهم إياهم فيما جاءوهم به من قويم السبل ، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [ مريم : 98 ] ولهذا قال يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ أي هؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين ، فلا يرون منها أحدا ممن يسكنها ويعمرها ، ذهبوا منها كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا * [ الأعراف : 92 ] كما قال فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [ النمل : 52 ] وقال فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ - إلى قوله - وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 45 - 46 ] ولهذا قال هاهنا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل ، ونجاة من آمن بهم ، لآيات وعبرا ومواعظ ودلائل متناظرة أَ فَلا يَسْمَعُونَ أي أخبار من تقدم كيف كان أمرهم . وقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ يبين تعالى لطفه بخلقه وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح ، وهو ما تحمله الأنهار ويتحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته ، ولهذا قال تعالى : إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ وهي التي لا نبات فيها ، كما قال تعالى : وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً [ الكهف : 8 ] أي يبسا لا تنبت شيئا ، وليس المراد من قوله إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أرض مصر فقط ، بل هي بعض المقصود وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست هي المقصودة وحدها ، ولكنها مرادة قطعا من هذه الآية ، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت أبنيتها ، فيسوق اللّه تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة ، وفيه طين أحمر ، فيغشى أرض مصر وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء وذلك الطين أيضا ، لينبت الزرع فيه ، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم ، وطين جديد من غير أرضهم ، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداء . قال ابن لهيعة عن قيس بن حجاج عمن حدثه قال : لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص ، حين دخل بؤونة من أشهر العجم ، فقالوا : أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها قال : وما ذاك ؟ قالوا : إن كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر ، عمدنا إلى جارية بكر